هبة الله بن علي الحسني العلوي
97
أمالي ابن الشجري
فالجواب : أنّ هذين الوصفين عبارة عن الإعراض منهم عند سماع الذّكر ، وعن ترك الإصغاء إليه والقبول له ، فقوله : كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي أي كانوا معرضين بأبصارهم وقت سماع الذّكر ، عن المتكلّم به ، وقوله : وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً أي كان سماع الذّكر ثقيلا عليهم ، فلا يستمعون له ولا ينصتون إليه ، كما تقول : ما أستطيع أن أرى فلانا ، ولا أستطيع أن أسمع كلامه ، تريد أنك كاره لذلك ، لا أنك في الحقيقة غير قادر عليه ، وقد حكى اللّه / عنهم أنهم كان بعضهم ينهى بعضا عن الإصغاء إلى سماع تلاوة كتاب اللّه ، ويأمرونهم بالتكلّم باللغو عند سماعه ، وذلك قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ « 1 » وقد بالغ اللّه سبحانه في ذمّهم بعدولهم عن الحقّ في قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ « 2 » ولو كانوا بهذه الأوصاف على الحقيقة لم يكلّفوا فرضا ، لأن الصّمم ذهاب السمع ، والبكم هو الخرس ، وإنما أراد أنّهم « 3 » صمّ عن استماع الحق ، بكم عن التكلم به ، عمى عن النظر إلى قائله ، فهذا على تشبيههم بمن لحقته آفات في سمعه ولسانه وبصره ، قال الشاعر : أصمّ عما ساءه سميع « 4 » فوصف الممدوح بالصمم مع وصفه له بسميع ، وهو اللفظ الموضوع للمبالغة في السمع ، وذلك على وجهين مختلفين ، مجيئه معدولا عن فاعل ، كما جاء قدير ورحيم معدولين عن قادر وراحم ، والآخر مجيئه معدولا من مفعل في قول عمرو بن معديكرب « 5 » :
--> ( 1 ) سورة فصلت 26 . ( 2 ) سورة البقرة 18 ، 171 . ( 3 ) في ه : بأنهم . ( 4 ) من غير نسبة ، ومن غير تكملة في شرح الحماسة ص 1450 ، والكشاف 1 / 204 ، وتفسير القرطبي 1 / 214 ، واللسان ( سمع - صمم ) . ( 5 ) ديوانه ص 136 ، وهو بيت دائر في كتب العربية . وقد أعاده ابن الشجري في المجلس السابع والخمسين . -